الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

91

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

دون الذكور ، أي اختار لذاته البنات دون البنين والبنون أفضل عندكم ؟ وجملة ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بدل اشتمال من جملة أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ فإن إنكار اصطفاء البنات يقتضي عدم الدليل في حكمهم ذلك ، فأبدل ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ من إنكار ادعائهم اصطفاء اللّه البنات لنفسه . وقوله : ما لَكُمْ : ما استفهام عن ذات وهي مبتدأ و لَكُمْ خبر . والمعنى : أي شيء حصل لكم ؟ وهذا إبهام فلذلك كانت كلمة « ما لك » ونحوها في الاستفهام يجب أن يتلى بجملة حال تبيّن الفعل المستفهم عنه نحو : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ [ الصافات : 92 ] ونحو ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 11 ] وقد بينت هنا بما تضمنته جملة استفهام كَيْفَ تَحْكُمُونَ فإن كَيْفَ اسم استفهام عن الحال وهي في موضع الحال من ضمير تَحْكُمُونَ قدمت لأجل صدارة الاستفهام . وجملة تَحْكُمُونَ حال من ضمير لَكُمْ في قوله تعالى : ما لَكُمْ فحصل استفهامان : أحدهما عن الشيء الذي حصل لهم فحكموا هذا الحكم . وثانيهما عن الحالة التي اتصفوا بها لما حكي هذا الحكم الباطل . وهذا إيجاز حذف إذ التقدير : ما لكم تحكمون هذا الحكم ، كيف تحكمونه . وحذف متعلق تَحْكُمُونَ لما دل عليه الاستفهامان من كون ما حكموا به منكرا يحق العجب منه فكلا الاستفهامين إنكار وتعجيب . وفرّع عليه الاستفهام الإنكاري عن عدم تذكرهم ، أي استعمال ذكرهم - بضم الذال وهو العقل - أي فمنكر عدم تفهمكم فيما يصدر من حكمكم . و أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ إضراب انتقالي ف أَمْ منقطعة بمعنى ( بل ) التي معناها الإضراب الصالح للإضراب الإبطالي والإضراب الانتقالي . والسلطان : الحجة . والمبين : الموضح للحق . والاستفهام الذي تقتضيه أَمْ بعدها إنكاري أيضا . فالمعنى : ما لكم سلطان مبين ، أي على ما قلتم : إن الملائكة بنات اللّه . وتفرع على إنكار أن تكون لهم حجة بما قالوا أن خوطبوا بالإتيان بكتاب من عند اللّه على ذلك إن كانوا صادقين فيما زعموا ، أي فإن لم تأتوا بكتاب على ذلك فأنتم غير صادقين . والأمر في قوله : فَأْتُوا أمر تعجيز مثل قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] . وإضافة الكتاب إليهم على معنى المفعولية ، أي كتاب مرسل إليكم . ومجادلتهم بهذه